ابن ميثم البحراني

31

شرح نهج البلاغة

أقول : هذه الخطبة مشهورة ذكرها أبو العباس المبرّد وغيره ، والسبب المشهور لها أنّه ورد عليه علج من أهل الأنبار فأخبره أنّ سفيان بن عوف الغامديّ قد ورد في خيل لمعاوية إلى الأنبار وقتل عامله حسّان بن حسّان البكريّ . فصعد عليه السّلام المنبر وخطب الناس وقال : إنّ أخاكم البكريّ قد أصيب بالأنبار وهو مغترّ لا يخاف ما كان ، واختار ما عند اللَّه على الدنيا . فانتدبوا إليهم حتّى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا انكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا . ثمّ سكت رجاء أن يجيبوه بشئ فلم يفه أحد منهم بكلمة . فلمّا رأى صمتهم نزل وخرج يمشى راجلا حتّى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم وقالوا : ترجع يا أمير المؤمنين ونحن نكفيك . فقال : ما تكفوني ولا تكفون أنفسكم . فلم يزالوا به حتّى ردّوه إلى منزله . فبعث سعيد بن قيس الهمداني في ثمانية آلاف في طلب سفيان بن عوف فخرج حتّى انتهى إلى أداني أرض قنّسرين وقد فاتوه . فرجع وكان علىّ عليه السّلام في ذلك الوقت عليلا فلم يقو على القيام في الناس بما يريده من القول . فجلس بباب السدّة الَّتي تصل إلى المسجد ومعه الحسن والحسين عليهما السّلام وعبد اللَّه بن جعفر ، ودعى سعدا مولاه فدفع إليه كتابا كتب فيه هذه الخطبة وأمره أن يقرأها على الناس بحيث يسمع عليه السّلام ويسمعون ، وفي رواية المبرّد أنّه لمّا انتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار وقتل حسّان بن حسّان خرج مغضبا فجرّ ردائه حتّى أتى النخيلة ومعه الناس فرقى رباوة من الأرض فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثمّ قال الخطبة . ورواية المبرّد أليق بصورة الحال وأظهر ، وروى أنّه قام إليه رجل في آخر الخطبة ومعه ابن أخ له فقال : يا أمير المؤمنين : إنّي وابن أخي هذا كما قال تعالى « قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وأخي » ( 1 ) فمرنا بأمرك فواللَّه لننهيّن إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا وشوك القتاد فدعا لهما بخير ، وقال : وأين أنتما مما أريد . ولنرجع إلى التفسير فنقول : الجنّة : ما استترت به من سلاح أو غيره ، ودّيث : أي ذلَّل ، ومنه الديوث : الَّذي لا غيرة له . والصغار : الذلّ والضيم ، والقماء ممدود مصدر قمأ قمأة فهو قميء : الحقارة والذلّ ، وروى الراوندي القما بالقصر وهو غير معروف ، وأسدل الرجل بالبناء للمفعول إذ ذهب عقله من أذى يلحقه . وأديل الحقّ من فلان أي غلبه عليه عدوّه ،

--> ( 1 ) 5 - 28